خليل الصفدي

96

أعيان العصر وأعوان النصر

ولما ورد في صفر سنة ثماني عشرة وسبعمائة ، أمر ببناء جامع في آخر القبيبات بدمشق ، فعمّره قيل : إنه طلبه السلطان يوما إلى الدور فدخل ، وعادت الخزندارة تروح وتجيء مرات ، فيما تطلبه الخوندة طغاي ، فقال له السلطان : يا قاضي ، إيش حاجة لهذا التطويل ، بنتك ما تختبئ منك ، أدخل إليها ، وأبصر الذي تريده أفعله ، فقام ودخل إليها وسير ، قال لها : أبوك هنا ، أبصري له ما يأكل ، فأخرجت له طعاما ، وقام السلطان إلى كرمة في الدور ، وقطع منها عنبا ، وأحضره في يده ، وهو ينفخه من الغبار ، وغسله بماء بيده ، وقال : يا قاضي ، كل من عنب دورنا ، هذا أمر ما فرح به متعمم . وكان إذا أراد أن يعمل سوءا ، ويراه قد أقبل يقول : جاء القاضي ، وما يدعنا نعمل شيئا مما نريده ، فيحدثه في إبطال ما كان قد همّ به من الشر ، وفي مدة حياة القاضي كريم الدين لم يقع من السلطان إلا خير . وأما مكارمه فحكى لي غير واحد بالقاهرة جماعة لا يمكن تواطؤهم على نقل باطل ، أنه حضرت إليه امرأة رفعت له قصة ، تطلب فيها إزارا ، فوقع في ظاهرها إلى الصيرفي بصرف مبلغ ثماني مائة درهم ، فلما رأى الصيرفي ذلك أنكره ، وأوقفها وتوجّه إليه ، وقال : يا سيدي هذه سألت إزارا ، والإزار ما ثمنه هذا المبلغ ، فقال له : صدقت ، وأخذ القصة وقال : الأولى متاع اللّه - تعالى - ، وزادها مبلغ ثمانين ، وقال : هذه متاعي ، وقال : أنا ما أردت إلا ثمانين ، ولكن اللّه أرادها ثماني مائة ، فوزن الصيرفي للمرأة ثماني مائة درهم وثمانين درهما . وقيل : إنه كان له صيرفي ، يستدعي منه ما يريد صرفه ، لمن يسأله شيئا ، وإن الصيرفي أحضر إليه مرة وصولات ليست بخطه فأنكرها ، فقال الصيرفي : هذا في كل وقت يحضر إلى مثل هذه الوصولات ، فقال : إذا جاء أمسكه وأحضره ، فلما جاء على العادة أمسكه ، وأحضره إلى بابه ، فقيل : إن الصيرفي وقع بالمزوّر ، فقال : سيبوه ما لي وجه أراه ، ثم قال : أحضروه ، فلما مثل بين يديه قال : ما حملك على هذا ؟ قال : الحاجة ، فقال له : كلما احتجت إلى شيء اكتب به خطك على عادتك لهذا الصيرفي ، ولكن ارفق فإن علينا كلفا كثيرة ، وقال للصيرفي : كلما جاءك شيء من خط هذا ، فاصرفه ولا تشاور عليه . وحكي لي أنه قبل إمساكه ، ضيّع بعض بأبية مماليك بكتمر الساقي حياصة ذهب ، فقال صاحبها للأمير ، فقال الأمير : إن لم يحضر الحياصة ، وإلا روحوا به للوالي ؛ ليقطع يده ، فنزلوا بذلك البابا ، فوجد القاضي كرم الدين آخر النهار طالعا إلى القلعة ، فوقف وشكا حاله ، فقال : أخروا أمره إلى غد ، فلما نزل إلى داره قال لبعض عبيده : خذ معك غدا حياصة ذهب ؛ لنعطيها لذلك البابا المسكين ، فلما أصبح وطلع إلى القلعة أمسك ،